بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
الاستمرار في الاستقامة على الطاعة بعد شهر رمضان
عندما يأتي شهر رمضان، يمضي بسرعة، ومع نهايته يطرح السؤال الحاسم: ماذا بعد رمضان؟ وماذا يجب علينا فعله بعد انقضاء كل فترة من فترات الطاعة؟ ماذا بعد الجد والاجتهاد والتشمير في الدين خلال هذا الشهر المبارك؟ بعدما كان القرآن حياتنا، والصلاة والتضرع لله لذتنا، والذكر طعامنا، ماذا بعد الصيام والقيام والتذكير والأعمال الصالحة والدعوات والصدقات وتلاوة القرآن؟
الخطوة التالية هي الاستقامة. إنها الحلاج الوحيد، كما جاء في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا" (فصلت:30). الاستقامة تعني الثبات على الطريق الصحيح دون الانحراف عنه. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "استقاموا فعلاً كما استقاموا قولاً". وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لم يروغوا روغان الثعالب". بعد رمضان، يسعى المؤمن للثبات على الطاعات وعدم الانقطاع عنها تمامًا.
هناك أسباب معينة للحفاظ على الاستقامة:
أولاً: الاعتماد على الله. يجب على الإنسان أن يدرك أن الله هو من أعانه على القيام بالعبادات خلال رمضان، وهو القادر على مساعدته على المثابرة والثبات. إن الاستقامة ليست نتيجة لقوة أو قدرة الإنسان بل هي نعمة من الله، وهذا الإدراك هو بداية الاستقامة. النظر إلى الأعمال الصالحة بغرور والاعتقاد بأنها نتيجة لقوته الذاتية يفضي إلى ضلال النفس، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا" رواه أبو داود.
ثانيا: المجاهدة: تتطلب الاستقامة جهدًا ومثابرة، لا يأتي بالتسلية في الراحة أو الاستمتاع بالملذات والشهوات، بل يتطلب المجاهدة والإصرار والصبر. يجب أن يكون هناك جهد للتغلب على النفس والشيطان، والاجتهاد في أداء الواجبات وتكثيف الطاعات، مع الصبر على مواجهة الشهوات وتجنب المحرمات، لتأتي بناهي الله إلى الكمال. كما قال الله: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت:69)، "وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ" (السجدة:24).
قيل للإمام أحمد: متى يجد العبد طعم الراحة؟ قال: إذا وضع قدمه في الجنة. وقال الشافعي: لا ينبغي للرجل ذي المروءة أن يجد طعم الراحة، فإنما هو في هذه الحياة الدنيا في نَصَبٍ حتى يلقى الله. إن الله لا يَمُنُّ عليك بالاستقامة ويذيقك لذتها ويعطيك ثوابها، إلا إذا ثابرت عليها وعملت لها ودعوت الناس إليها، وجاهدت حتى تصل إليها.
ثالثا: رفقة أهلها: تعتبر رفقة الأصدقاء الصالحين من أهم الداعمين للاستقامة، وأحد أبرز أسباب الثبات عليها. كما قال جعفر بن محمد: "كنتُ إذا أصابتني فترة جئت فنظرت في وجه محمد بن واسع، فأعمل بها أسبوع". يُسهّل وجود الرفاق الصالحين الالتزام بالطاعات، ويجعل الأمور أكثر يسرًا، أما الانفراد والانغماس في الغفلة فهو طريق إلى الهلاك. كما يقول المثل: "إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية".
علامات القبول: إحدى علامات قبول الطاعة هي استمرارية العمل بالطاعات والاستمرار في مجاهدة النفس والاقتراب من الله بالأعمال الصالحة. يجب أن لا ينتهي الارتباط بالله بانقضاء شهر رمضان أو انتهاء لياليه وأوقاته المباركة. فعلى الرغم من انتهاء هذا الشهر المبارك، إلا أن العبادات والطاعات مستمرة، فالصيام والقيام وتلاوة القرآن والعبادة لا تنتهي. من يعبد رمضان فقط، فإن رمضان يمضي وينقضي، ولكن من يعبد الله فإن الله حي لا يموت. إن سوء العبد هو الذي لا يعرف ربه إلا في رمضان.
وقد حذرنا الله تعالى أن نكون مثل بلعام بن باعوراء، الذي كان عالمًا بني إسرائيل وكان له نصيب من حلاوة الإيمان، ثم تخلّى عنها وأعرض عن آيات الله، مثل الحية التي تنسلخ من جلدها. وحذّرنا ربنا سبحانه أن نكون مثل "ريطة بنت سعد" التي كانت تفسد غزلها بعد أن يكون قويًا ومحكمًا، فلا ينبغي لنا أن ننقض الطاعة بعد إحكامها.
حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من التخلي عن الطاعة بعدما يتعود الإنسان عليها، فقال لعبد الله بن عمرو: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل". وسئلت عائشة رضي الله عنها عن عمله صلى الله عليه وسلم، فأجابت: "كان عمله ديمة". وأكد النبي صلى الله عليه وسلم أن أحب الأعمال إلى الله ما دوم عليه وإن كان قليلًا.
تنطبق هذه التحذيرات القرآنية على من ذاق حلاوة طاعة الله تعالى في شهر رمضان، فمن حافظ فيه على الواجبات وترك المحرمات، ثم انقضى الشهر المبارك، انسلخ من آيات الله، ونقض غزله بعد قوته. وكذلك، على الذين كانوا يحافظون على الصلاة في رمضان، ولكن عندما انتهى الشهر الفضيل، تركوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وعلى الذين كانوا يتجنبون شرب المحرمات ومشاهدة المنكرات وسماع الأغاني في رمضان، ولكن عندما رحل هذا الشهر الكريم، عادوا إلى هذه الأفعال السيئة. وكذلك، على الذين كانوا يعمرون المساجد ويداومون على قراءة القرآن في رمضان، ولكن بعد انتهائه، هجروا المساجد والقرآن.
قد أشار أهل العلم إلى أن من أعظم علامات الرد وعدم القبول هو عودة المرء إلى قبيح الأعمال بمجرد انتهاء زمن الطاعة. فلنعوذ بالله من الخذلان ونستمر في الطاعة والمحافظة على الخيرات بعد رمضان.
عبادة حتى الموت: تعلمنا من ديننا الإسلام أن العبادة لا تنقطع ولا تنتهي بانقضاء فتراتها المحددة. بل إن كلما انتهى موسم عبادة، فإن الله يفتح لنا موسمًا جديدًا. على سبيل المثال، بمجرد انقضاء ليلة القدر الأخيرة من شهر رمضان المبارك، تبدأ بشائر موسم الحج، الذي هو أشهر معلومات بحسب قول الله تعالى: "الحج أشهر معلومات" (البقرة: 197)، وأول هذه الأشهر باتفاق أهل العلم هو شهر شوال.
وعلمنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أنه بعد انتهاء شهر رمضان، يمكننا مواصلة العبادة والتقرب إلى الله بصيام ستة أيام من شهر شوال. فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي أيوب قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر'".
ولا ينبغي لنا أن نفهم أن انقضاء موسم العبادة يعني نهاية العبادة، بل العبادة مستمرة حتى الموت، كما قال الله تعالى في قوله لنبيه: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" (الحجر: 99).
