إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
وجه الله سبحانه عباده بالسعي في الأرض لطلب الرزق مع تحقيق الاكتفاء وعدم الاعتماد الذاتي على الآخرين من محاربتهم. ويأتي هذا الأمر في ضوء البرق: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ" (الملك: 15).
في تفسير ابن الإمام كثير - رحمه الله - تم اعتماد نعمة الله على الإنسان بتسخير الأرض لخدمتهم، حيث تغطيها قراءة وثابتة لا تتزعزع، وذلك بفضل وجود الجبال والعيون والسبل فيها. كما أن الله أعد فيها مصادر النفع للزراعة والثمار. وأمرهم بالتجول في مناطق مختلفة والسعي لتحقيق المكاسب والتجارة. في هذا السياق، يوجههم الله بالتوكل عليه، حيث يقول: "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا"؛ أي، انطلقوا في رحلتكم حيث تشاءون في جميع أنحاء الأرض.
ويُشدد على أهمية الاعتماد على الله وعدم الاعتماد الكامل على القوة البشرية، حيث يقول: "وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ"؛ مما يعني أن سعيدة في الوداع والأسباب لا تتعارض مع التوكل على الله. إذ إن الله هو الموزع للرزق ومصدره، والإنسان عليه الاجتهاد في الحصول على ما يحتاجه وفي الوقت نفسه أن يثق ويوكل على الله في توفيره له.
وبقدرة الله خلق الإنسان من الأرض وجعله خليفته فيها، كما جاء في قوله: ""أنشأكم من الأرض وعمركم فيها"" (هود:61). وفي تفسير هذه الآية قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: ""أنشأكم من الأرض"" أي: خلقكم فيها، أي: ورثتموها. ورزقك فيها بركات ظاهرة وباطنة ومكنك فيها من البناء والغرس ويمكن ما شئت. واستفد من فوائدها وحقق اهتماماتك.
لماذا تطلب الصلاة فانتكرووا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون» (الجمعة: 10). وبعد أداء الصلاة يحث الله على الاجتهاد في ابتغاء فضل الله، والدعاء على ذكر الله، عسى أن يكون ذلك سببا للتفوق والنجاح.
يقول ابن كثير -رحمه الله-: «قوله: «فإذا طلبت الصلاة» أي: انتهى من الميزان، «فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله» لينتشر». اخرجوا في الأرض بعد الانتهاء من الصلاة وابتغوا من فضل الله".
قال الشيخ السعدي -رحمه الله- فيما يتعلق بالتجارة والكسب: "لطلب المكاسب والتجارات". سياق آخر، ذكر ابن أبي حاتم - رحمه الله - حادثة واجهت بعراك بن مالك رضي الله عنه بعد صلاة الجمعة، حيث وقف عند باب المسجد ودعا يدعو: "اللهم أجبت دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، خير أنتُ". الرازقين".
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشجع على العمل والسعي لتكسب، حيث أخبرنا ابن مقدام - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكلَ من عمل يده". لأنه قال صلى الله عليه وسلم: "لاَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الحَطَبِ علَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بها وجْهَهُ خيرٌ له من أَنْ يَسْأَلَ النَّاس أَعْطَوْهُ أَوْ." مَنَعُوهُ"، رواه البخاري وهذا يبرز أهمية الجهد العملي في تحقيق الرزق والنجاح.
وفي هذا السياق، يظهر أن العمل، المهم كان نوعه، يعتبر خيرًا ورحمة من الاعتماد على الآخرين، وأن الاكتساب بالجد والجهد يفوق السؤال والاعتماد على النفوس البشرية.
بأسلوب بديع يشجع على العمل وعمارة الأرض، نقلنا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى جديد يلهمنا الكبير ونرغب في تحسين البيئة من حولنا. فيقول الشريف: "إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلة إنٌِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها"، رواه احمد ويُظهِر بحث النبي على زراعة الأعمال التجارية وأية الأرض، مشيرًا إلى أهمية الاستدامة والتفكير في الأجيال القادمة.
قال المناوي -رحمه الله-: "(هذا الحديث فيه الحثُّ على غرس الأعمال، وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدار عامرةً إلى آخرِ أمدها المحدودِ المعدود المعلوم عند خالقها)، وحددًا بعظم الأمر وأهميته في إعمار البيئة بما يتوافق مع الوجود.
ونجد أيضًا قصة معاوية رضي الله عنه حيث أخذ في نفسه في أرض وغرس نخل في حياته. ردّا على سؤال حول الغرس، قال: "ما غرسته طمعًا في إدراكه بل حملني عليه قول الأسدي: ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا يكون له في الأرض التأثير"، ومظهرًا بهذا الفعل الحكمة والرغبة في التأثير الإيجابي في المجتمع.
ويضيف النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة أخرى: "ما من مسلم يغرس زرعًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طيرٌ أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له صدقة"، رواه مسلم ومظهرًا الثوابت لكل جهد يُبذل في تحسين البناء لاستخدام الاستدامة.
قال النواوي - رحمه الله -: "(هذا فيه فضيلة الغرس، وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعلي ذلك ٌّ ما دام الغراسُ والزرع، وما تولد منه إلى يوم القيامة)،"، يبرز الحثّ على الإجراء الخيري والاستمرار فيه، يقينًا أن الأجر ينقص إلاّ. ما دامت الثمار والزرع المستمر.
ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الأخير: "مَنْ أحيا أرض ميتةً فله أجرٌ، وما أكله العوفي فهو منه صدقةٌ"، مما ينتج هذا الحديث لضرورة الأرض وأماها، لكن أن الخير الذي ينبت من أعمالنا استمر في نفعنا حتى يوم القيامة.
وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم يحث على العمل الخيري في أوقات الحياة المختلفة، حيث ذكر أن رجلًا مر على الصحابة ورأى نشاطهم في العمل قال: "يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيل اللهِ؟!"، فأوضح رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه. وسلَّمَ أن أي عمل يصلح أن يكون في سبيل الله، سواء كان متنوعًا أو للوالدين أو للنفس، طالما كان النية خالصة وللخير.
سياق آخر، قال صلّى الله عليه وسلم: "الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل، الصائم النهار"، متفق عليه مشيرًا إلى أهمية العناية بالأرامل والمساكين، وأن هذا يستحق بثواب عظيم، يضاهي ثوابت المجاهدين والقائمين الليل والصائمين.
اشار أهل العلم إلى أن المرادي الساعي في الحديث هو الشخص الذي اكتسب لحاجته وحاجة عائلته من خلال العمل. سياق ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "على كل مسلم صدقة". وعندما سألوه عن حالة عدم القدرة على التصدق، أجابهم قائلاً: "فليعمل بيديه في نفع نفسه ويصدق"، مؤكداً على أهمية الجهد الشخصي والفعّال.
وفيما يتعلق بالأنبياء والرسل، كانوا قدوة في مجال العمل وكسب الرزق. تجلى ذلك في قصة النبي داود عليه السلام، حيث وهب الله له فضلًا ومهارات قادرة عليه من صنع الدروع، وذلك وفقًا لقول الله في القرآن: "وَلَقَدْ أتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَا لَهُ الْحَدِيدَ. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقدِّرْ فِي السِّرَْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (سبأ: 10، 11). وكمثال آخر، ذكر الله في القرآن أنه علم النبي يوسف عليه السلام صنعة اللبوس لتحصينه من بأسهم.
إن تلك القصص تبرز أهمية العمل والجهد الشخصي في تحقيق الرزق والعمارة، بالإضافة إلى الحكمة في تعليم الأنبياء للصناعات والحرف لتحسين حياتك والاسترخاء.
عن المقدام - رضي الله عنه - قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحدا قطا خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود - عليه السلام - كان يأكل من عمل يده"، وذلك وفقا لرواية البخاري. يتجلى في هذا الحديث أهمية العمل الجاد والجهد الشخصي في تحقيق الرزق والرفاهية.
ويظهر نبي الله موسى عليه السلام أيضًا كمثال على العمل الشخصي، حيث قال الله في القرآن حياته عن: "قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُق عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنْه الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَان عَلَي وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ" (القصص: 27 - 28). وقد قضى نبي الله موسى أتم الهدفين، مما يبرز أهمية الصدق في الوفاء بالتعاهد.
أما نبي الله زكريا عليه السلام، فعمل كنجّار، حيث رواية مسلم عن أبي هريرة رضي الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا نجَّارًا». ويظهر في هذا السياق أن الأنبياء كانوا يعتمدون على العمل الشخصي ويمارسون مهنًا لكسب رزقهم، مما يعكس قيمة الجهد والاستقلالية في الحياة المعاونة.
قال الإمام النواوي - رحمه الله -: "هذا الدليل الحديثٌ على أن النجارة صنعةٌ ة، فضيلة لزجرية وفيه صلَّى الله عليه وسلم؛ فإنه يمكن أن يأكل من كسْبِه". وتبرز يدوياً في هذا القول أهمية العمل الأخلاقي الذي عصر الفاضلة، وكان النبي زكريا عليه السلام نموذجاً يعتبر لدى العلماء في قيمة الصبر الثوري.
وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبل بعثته يرفض حرية اختيار الغنم. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل نبوته كان يرعى الغنم على قراري (نقود) لأهل مكة، مما يدل على أنه عمل بجد واجتهاد، وهو يقف يسلط الضوء على قيمة العمل الشخصي واستقلالية الفرد.
ويرى العلامة ابن حجر رحمه الله في شرحه للحديث أن الحكمة وراء إلهام الأنبياء يقيمون الغنم قبل نبوتهم هي ويكسبهم من التمرن على تحمل المسؤوليات وفهم الصبر والشفقة. كما أن رعاية الغنم تعلمهم التعاهد والرفق بالضعفاء، وبالتالي يكون تحملهم للمشقة أسهل بعد تدريبهم على رعاية الغنم.
لقد كانت حياة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بالجد والجهد في شتى الميادين، وكانوا من أحرص الناس على التعفف وغناء الناس بقدرة المستطاع. وتجلى هذه الروح في قصة عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه - الذي قدم المدينة وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع.
فعرض له سعد بن نصف ماله وأحد زوجاته العامة له، ولكن عبدالرحمن باستثناء من يوافق على هذا العرض، وسأل إن كان هناك فرصة للتجارة. وبذكاء ورغبة في تكسب حلال، توجه إلى سوق قينقاع ولأنها بتجارة.، حيث تجلب بعض البضائع وباعها ب.
ولما عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضغط صفرة (عطر)، سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن زواجه، وشرب منه الذي أنفقه. وبدلا من النار في الفخر بالزواج الناجح والثراء، قال عبدالرحمن: "زِنَةَ نواة من ذهب". فرد النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: "أَوْلِمْ ولو بشاة"، مشيرًا إلى أن التواضع والتجارة المالية الصغيرة أمر محمود أن يصبح إنسانًا من تجاربه.
نسأل الله أن يكفينا بحلاله عن حرامه يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، وأن يبارك لنا في جهودنا ويبعد عنا الهم والحزن والعجز والكسل، ويحفظنا من غلبة الدين وقهر الرجال. وأدعوا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآلة وصحبه أجمعين.
