بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
بعد التوبة التغلب على الخوف والوساوس
ما أروع العودة إلى التوبة، وما أجمل الشعور بنسمات الإيمان النقية التي تلف العبد التائب، محملةً بانفتاح الصدر، وفرحة بحلاوة الإيمان، ونعومة في أعماق القلب والروح. هذه لحظات مع كل من يتوب ويرجع إلى الله، ينبض قلبه بشعورٍ من الخوف والترقب.
أولاً: ينبغي أن ندرك أن الخطأ والمعصية جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، فمن منا لم يخطئ ويُذنب، فمن الذي يمكن أن يُعفى تمامًا من الذنوب والمعاصي؟ وقد حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الأمر بقوله: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، وهذا حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي، ومن رواهما في صحيح الجامع.
ثانيا : إذا أخطأ المؤمن السالك في طريقه وعصى أوامر الله واقترف ما نهاه عنه، فلا بد له من التوبة إلى الله من تلك الذنوب والمعاصي. فالله -سبحانه وتعالى- يدعو جميع المؤمنين للتوبة بقوله: "وتوبوا إلى الله جميعاً أيُّها المؤمنون لعلكم تفلحون"، وهو الذي يقبل توبة عباده ويغفر لهم ذنوبهم، كما ورد في قوله: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات" [الشورى: 25]. والله يحب أن يستغفر عباده ويتوبوا إليه، فهو يدعوهم إلى العودة بسرعة، قائلاً: "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنَّ الله يغفر الذنوب جميعاً".
فرحة الله -عز وجل- لا تضاهى عندما يتوب عبده إليه، فقد أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن الله يبتهج بتوبة عبده أكثر من فرح الراكب الذي ضلت راحلته في برية، وفقد كل مقومات الحياة، واستسلم لليأس، ثم وجد راحلته وهو في حالة يأس تام، فبينما هو كذلك، إذ فاجأته راحلته مفاجأة سارة. فمن شدة الفرح والسرور قال في غفلة منه: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، وهو قصة رواها الإمام مسلم.
فتوبتك إلى الله هي من أجمل القربات والعبادات، ففرح بقبول توبتك من الله الكريم الرحيم، واعلم أنه لطيف بعباده، يحب التوابين، فتوبتك إليه ستكون بإذنه سبباً لفرحه ورضاه.
ثالثا : إن الله لا يعاقب عبده المؤمن إذا تاب إلا بالحسنى والغفران، بل يحول الله السيئات التي ارتكبها عبده إلى حسنات، وهذا من فضل الله وإحسانه لعباده. يأتي ذلك كتشجيع من الله لعباده على اللجوء إليه في طريق التوبة والاستسلام أمامه، ويدعوهم للطلب منه المغفرة والعفو والرضا.
إن من كرم الله تعالى على عباده أن يحول سيئاتهم إلى حسنات، كما ورد في قوله العزيز: "إن الحسنات يذهبن السيئات" [هود: 114]، وكذلك في قوله: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما" [النساء: 31].
رابعا : هذه الآيات تأتي ببشائر مفرحة، تحث النفس الخاطئة على الأمل بالغفران من عند الله، وتشجعها على الاستمرار في العمل الصالح وزيادة البر والخير. فالله -تعالى- يقول: "لا تقنطوا من رحمة الله"، لأن المؤمن قد يقع في ذنوب كثيرة، وعندما يرغب في التوبة، قد يشعر باليأس والشك في قدرة الله على مغفرة ذنوبه.
ولكن لله رحمة وسعة، فهو يحث المذنبين والمقصرين في حقوقهم على عدم اليأس من رحمته، وعلى عدم الاستسلام للشك في قدرته على الغفران والعفو. إن رحمة الله لا حدود لها، ولذا ينبغي للإنسان أن يعمل الخيرات ويتفائل بفضل الله، كما قال الله -تعالى-: "وإنِّي لغفَّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمَّ اهتدى" [طه: 82].
خامسا : بعد التوضيحات السابقة، أنصحك بعدم الانشغال بالوساوس التي تلقن لك بأنك على شفير الموت، وبأن شبح الممات يطاردك، ويجعلك في حالة من الكآبة والهموم والحزن... نعم، يا صديقي، الموت حقيقة، والجميع يخشاه ويتجنبه، وكل إنسان سيمر ببوابته، كما قيل:
"الموت باب وكلُّ الناس داخله *** يا ليت شعري! بعد ذاك ما الدار؟"
وقد وصانا الرسول -عليه الصلاة والسلام- بكثرة التذكرة به، فقال: "أكثروا ذكر هادم اللذات" وهذا حديث صحيح رواه الترمذي وحسَّنه. ومع ذلك، فإن الإكثار من التذكر بالموت يجعلنا نزيد في الاستعداد للقاء الله، ونبذل المزيد من الجهد لنكون من الصالحين، ونقترب من الله بجميع أنواع العبادات.
فلا تدع، أيها الحبيب، وساوس الموت تحجب عنك العمل الصالح وتشتت انتباهك عن الطاعات، فتجعلك محتجزًا في دوامة من الوساوس والهموم، حتى تصبح مريضًا بالقلق والكسل والتفكير السلبي الذي لا يفيد أيًا، بل يسعى الشيطان للاستفادة منه. إذ قال الرسول -عليه السلام-: "احرص على ما ينفعك ولا تعجز"، وفي حديث آخر: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف"، وهذا حديث صحيح رواه مسلم.
لذا، اجعل توبتك هذه حافزًا لك للمضي في طريق الهداية والابتعاد عن الشر، واعلم أن الموت واقع لا مفر منه في هذه الدنيا، ولكن المسلم الحكيم هو من يستغل كل لحظة من حياته في ما يرضي الله ويسعى جاهدًا لمرضاته. وإذا حان وقت لقاؤه بربه، فليكن ذلك لحظة سعادة له بلقاء ربه!
أحببت أن أنصحك وأذكرك ونفسي بهذه النصائح القيمة:
أولًا: أكثر من الدعاء ليشرح الله صدرك، ويرزقك حلاوة الإيمان، ويثبتك على دينه، ويجعل لسان حالك مستمعًا لنداء ربّك. تذكر أن التائبين إلى رحاب الله يُقبلون، فلتكن دعواتك متواصلة.
ثانيًا: اجتمع وتعاون مع أهل الخير والصلاح، وأظهر لهم محبتك واقترانك بهم. فالصحابة الصالحون هم رفقاءك في الدنيا والآخرة، والصحابة السيئون لا يسعون لسوى إثارة الشرور.
ثالثًا: كن متفائلًا في حياتك، وعزم على العمل الصالح والخير، من الصلاة والصدقة والصيام إلى خدمة الناس ورعاية الأيتام.
رابعًا: أقم عملًا سريًا لا يعلم به إلا الله، فستجد حلاوة الإيمان تملأ قلبك وسرورها ينعكس في صدرك.
خامسًا: احسن الظن بربك، واستمر في خشيته مع رجاء رحمته. فالله يقدر لمن يخافه جنتين، ولا تموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.
سادسًا: استمر في توبتك وتجديد العهد مع ربك بشكل دائم، وستجد أبواب الخيرات مفتوحة أمامك.
سابعًا: أكثر من تلاوة القرآن، ففيه ستجد السعادة والطمأنينة، فهو كلام الله الذي يهديك وينصرك.
هذه النصائح إذا اتبعتها، ستجد حياتك ممتلئة بالسعادة والنجاح، وستكون على طريق الهداية والفلاح في الدنيا والآخرة.
