منهج أهل السنة الوسط في أفعال العباد

 بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}


منهج أهل السنة الوسط في أفعال العباد



ان أمة الإسلام تتسم بالوسطية بين الأمم، كما قال الله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} (البقرة: 143). وأهل السنة والجماعة كذلك يتصفون بالوسطية بين الفرق المختلفة وأهل الأهواء والبدع. ومن أبرز مظاهر هذه الوسطية هي موقفهم المتوازن في "أفعال العباد" وعلاقتها بالله سبحانه وتعالى.


قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "لقد قصّر بعض الناس حتى قالوا إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده، ولا يشاءها منهم، بل إنهم يعملونها بدون مشيئة الله وقدرته. وتجاوز آخرون حتى قالوا إن العباد لا يفعلون شيئًا ألبتة، بل الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة، فهي فعله لا أفعالهم، والعباد ليس لهم قدرة ولا فعل ألبتة"【إغاثة اللهفان】.


في باب أفعال العباد، ضلت طائفتان:


الجبرية: وهم الجهمية الذين يزعمون أن العباد لا إرادة لهم ولا قدرة على فعل الطاعات أو ترك المنهيات، وأنهم مجبورون على كل ذلك. هذا هو الغلو والتطرف بعينه.

القدرية: الذين ينكرون قدرة الله على أفعال العباد، ويعتقدون أن العباد يعملون بأفعالهم بشكل مستقل عن مشيئة الله.

أهل السنة والجماعة يتخذون موقفًا وسطًا بين هذين الطرفين، حيث يؤمنون بأن للعباد إرادة وقدرة على أفعالهم، ولكن هذه الأفعال لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته.


يعتقد الجبرية أن العبد مجبور على فعله، وأن حركاته وأفعاله اضطرارية مثل حركة المرتعش أو العروق النابضة أو حركة الأشجار في مهب الريح، وأن إضافة هذه الأفعال إلى الخلق مجرد مجاز. فهم يرون أن الله هو الفاعل الحقيقي لهذه الأفعال، فهي أفعاله وليست أفعال العباد. بناءً على هذا المعتقد، يزعمون أن المؤمنين لم يصلوا ولم يصوموا ولم يزكوا ولم يحجوا، وأن المجرمين لم يكفروا ولم يكذبوا ولم يسرقوا ولم يزنوا.


قال ابن مانع رحمه الله: "وكذا قال الأشعري وأتباعه: إن المؤثر في المقدور هو قدرة الرب دون قدرة العبد"


في المقابل، يقف على الطرف الآخر القدرية، وهم جمهور المعتزلة الذين يعتقدون أن الله تعالى أمر العباد بطاعته ونهاهم عن معصيته، ولا يعلم من يطيعه ممن يعصيه إلا بعد حصول الطاعة والمعصية. وهم نقيض الجبرية في هذا الأمر.


أهل السنة والجماعة يتخذون موقفًا وسطًا بين هذين الطرفين، حيث يؤمنون بأن للعباد إرادة وقدرة على أفعالهم، ولكن هذه الأفعال لا تخرج عن مشيئة الله وقدرته.


يقول أهل الحق إن أفعال العباد هي التي تجعلهم مطيعين أو عصاة، وهذه الأفعال مخلوقة لله تعالى. الحق سبحانه منفرد بخلق المخلوقات، ولا خالق سواه، ومن بين هذه المخلوقات أفعال العباد. قال الله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} (الصافات: 96)، وقال أيضًا: {وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق} (الملك: 12-13).


الجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا فعل العبد تمامًا، بينما المعتزلة نفاة القدر جعلوا العباد خالقين مع الله، ولهذا وُصفوا بأنهم مجوس هذه الأمة. قال النبي ﷺ: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (رواه أبو داود).


هدى الله المؤمنين أهل السنة إلى الحق فيما اختلفوا فيه بإذنه، فقالوا إن العباد فاعلون والله خلقهم وخلق أفعالهم. كل شيء يحدث بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر: 49)، وقال أيضًا: {وخلق كل شيء فقدره تقديرًا} (الفرقان: 2).


يؤمن أهل الحق أن الله تعالى شاء أن يقع الكفر من الكافر، لكنه لا يرضاه ولا يحبه. فهو يشاؤه كونا وخلقا، ولا يرضاه دينا. في المقابل، يزعم القدرية أن الله شاء الإيمان من الكافر، ولكن الكافر شاء الكفر، فوقعت مشيئة الكافر دون مشيئة الله تعالى. هذا الاعتقاد باطل ولا دليل عليه، بل هو مخالف للأدلة الصريحة.


قال الله عز وجل: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (السجدة: 13)، وقال أيضًا: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا} (يونس: 99).


منشأ الضلال عند الفريقين هو الخلط بين المشيئة والإرادة، وبين المحبة والرضا. فقد ظنوا أن كل ما شاءه الله وأراده، فقد أحبه ورضيه.


اختلفت الفرق في مسألة القضاء والقدر، فقالت الجبرية إن الكون كله بقضاء الله تعالى وقدره، وكل ما يحدث فيه محبوب له. في المقابل، قالت القدرية النفاة إن المعاصي ليست محبوبة لله ولا مرضية له، لذلك هي ليست مقدرة ولا مقضية من الله، بل هي خارجة عن مشيئته وخلقه.


لقد دل الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة على الفرق بين المشيئة والمحبة. أما نصوص المشيئة من الكتاب فقد سبق ذكر بعضها، وأما نصوص المحبة والرضا، فقال تعالى: {والله لا يحب الفساد} (البقرة: 205)، وقال أيضًا: {ولا يرضى لعباده الكفر} (الزمر: 7).


بهذا يتبين أن الله تعالى قد يشاء وقوع أمر ما كونا وخلقا، ولكنه لا يحبه ولا يرضاه دينا.


قد يُطرح السؤال: كيف يريد الله أمرًا ولا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف تجتمع إرادته لهذا الأمر مع بغضه وكراهته له؟ الجواب يكمن في فهم نوعي الإرادة: إرادة لنفسه وإرادة لغيره. الإرادة لنفسه تعني أن يكون الأمر مطلوبًا محبوبًا لذاته لما فيه من الخير، أما الإرادة لغيره فهي أن يكون الأمر وسيلة لتحقيق مقصد آخر. في هذه الحالة، يكون الأمر مكروهًا في ذاته ولكنه مراد لما يؤدي إليه من نتائج محبوبة.


مثال على ذلك هو تناول دواء كريه الطعم عندما يعلم المريض أن فيه شفاءه، أو قطع عضو متآكل عندما يعلم أن في ذلك بقاء جسده، أو قطع مسافة شاقة للوصول إلى هدف مرغوب.


في خلق الكفار والمنافقين وإبليس وجنده حكم عظيمة، لا يتسع هذا المقام لتفصيلها، وهي تحتاج إلى مزيد من الشرح والتفصيل، ومكان ذلك في الكتب الموسعة في العقيدة، مثل شرح العقيدة الطحاوية وغيرها.


تعليقات